من المجتمع الطبيعي إلى الحضارة الديمقراطية
عاشت المجتمعات البشرية، قبل ظهور الدولة والطبقات، أنماطاً من الإدارة الذاتية الديمقراطية استندت إلى العشيرة والقبيلة والعلاقات الاجتماعية المباشرة. وامتدت هذه التجربة، منذ تشكل الجماعات الإنسانية الأولى، زمناً طويلاً بلغ ذروته في العصر الحجري الحديث بين الألفية السادسة والرابعة قبل الميلاد. في تلك المرحلة، التي يمكن تسميتها مرحلة المجتمع الطبيعي، تمكنت المجتمعات من إدارة نفسها بنفسها، وتنظيم علاقاتها وإنتاجها وحياتها على قاعدة أخلاقية وسياسية واجتماعية.ساهمت ثقافة تل حلف، بوصفها إحدى ذرى المجتمع الطبيعي، في تطوير ثقافة تل العُبيد في ميزوبوتاميا السفلى. لكن مع المرحلة السومرية، التي نشأت على أساس هذه التراكمات، انحرف مسار تطور المجتمع الطبيعي وبدأت مرحلة التشتت. وبعد صراعات طويلة وشاملة، ظهرت البنية الطبقية والهرمية والدولتية.نشأت المدينة والطبقة والدولة في أوروك خلال الفترة الممتدة تقريباً بين 3000 و2500 قبل الميلاد. ومع تحوّل الحضارة الدولتية إلى حضارة سومرية، بقيت الفئات التي قاومت الخضوع للدولة موجودة بوصفها كيانات للحضارة الديمقراطية. ومنذ ذلك الوقت دار التاريخ بين قطبين متعارضين: حضارة هرمية طبقية دولتية من جهة، وحضارة ديمقراطية مجتمعية غير دولتية من جهة أخرى.لا يبدأ التاريخ الحقيقي مع التاريخ المكتوب وحده، لأن التاريخ الرسمي يتجاهل الحياة الاجتماعية والنظم التي استمرت مئات آلاف السنين قبل الكتابة. لذلك ينبغي أن تبدأ قراءة التاريخ من تشكل العشيرة والمجتمع الطبيعي، لا من الدولة أو الطبقة فقط. والتناقض الأساسي في التاريخ هو التناقض بين المجتمع الهرمي الطبقي الدولتي وبين الحضارة الديمقراطية.عمل نظام الحضارة الدولتية بصورة منهجية على إضعاف المجتمع الطبيعي، بوصفه مجتمعاً أخلاقياً وسياسياً، وعلى تفكيكه وإقصائه. فالاستغلال واحتكار السلطة لا يمكن أن يستمرا من دون إضعاف المجتمع ونهبه وتحويله إلى سلعة. وقد طوّر رأس المال احتكاراته عبر تدمير خصومه، فيما تجلت هذه الحقيقة تاريخياً في ممارسات الإبادة ضد المجتمع والمرأة والطبيعة.تمثل الحضارة الطبقية الهرمية الدولتية القطب السلبي في التدفّق التاريخي الاجتماعي؛ إذ تركز على الدولة والسلطة والاحتكار، في مقابل حضارة تمثل الشكل المجتمعي غير الدولتي. وكل الصراعات الفكرية والسياسية والطبقية والثقافية والاقتصادية والعسكرية تجري بين هذين النظامين الحضاريين. ولهذا ينكر النظام الدولتي مرحلة المجتمع النيوليتي، ويغطي المراحل الاجتماعية الطويلة السابقة له، ويبدأ التاريخ الرسمي مع ظهور سلطته.
التنظيم بوصفه حقيقة اجتماعية
حيث توجد ذهنية وجسد الحضارة الطبقية الدولتية، توجد في المقابل إمكانات الحضارة الديمقراطية بوصفها نقيضاً جدلياً لها. ولذلك ينبغي لجميع المكونات التي تنتمي إلى الذهنية الحضارية الديمقراطية أن تنظّم نفسها بصورة منهجية، وأن تمتلك برامجها وأدواتها الخاصة.إذا كان النظام الحضاري الطبقي الهرمي الدولتي، رغم تمثيله نسبة 10% فقط من المجتمعات، قد استطاع تنظيم نفسه في شكل احتكارات واسعة وقوية، فإن الـ90% الباقية من المجتمعات، التي بقيت خارجه، ينبغي أن تنظم نفسها أيضاً. وتشمل هذه الوحدات العشائر والقبائل والعائلات، والحركات الثقافية والدينية والبيئية والنسوية والشبابية، والحركات الاجتماعية والاشتراكية والأناركية، وحركات العمال والموظفين، والمثقفين والمتنورين، وكل القوى التي تعرّف نفسها بوصفها جزءاً من الحضارة الديمقراطية.ولا يعني التنظيم هنا النموذج الكلاسيكي القائم على الهرمية بين الحاكم والمحكوم. فالتنظيم حقيقة متجذرة في نسيج المجتمع نفسه. لا تستطيع المجتمعات أن تعبر عن ذاتها في الحياة إلا بالحركة الجماعية، وتحديد احتياجاتها، ووضع مبادئ الحياة المشتركة، وتنظيم وسائل تلبيتها، والتمييز بين الصواب والخطأ.لهذا كان الشكل التاريخي الأقرب إلى تنظيم المجتمع هو التنظيم الكونفدرالي الديمقراطي غير الدولتي. فالكونفدرالية تتيح خلق مساحات حرة وتنظيمها بمرونة، وإدارة الذات عبر ديمقراطية مباشرة، وتقليص حضور الدولة في الحياة تدريجياً، وتوسيع المجال الاجتماعي الذي يستطيع أن يعمل من دونها.إن عناصر الحضارة الديمقراطية موجودة فعلاً في هيئة وحدات اجتماعية، لكنها بقيت مشتتة وغير متكاملة، لغياب نموذج أيديولوجي وسياسي موحّد ينظمها. تعرض المجتمع الأخلاقي السياسي لهجمات مستمرة من النظام الطبقي الدولتي، إلا أنه لم ينتهِ ولم يستنفد. فقد استمر في الوجود، رغم تفككه وتعرضه للقمع، بالتوازي مع الحضارة الدولتية حتى اليوم.طوّر النظام الدولتي أدوات أيديولوجية وثقافية وسياسية وعسكرية ضخمة لفرض وجوده وضمان استمراره. وقد استولى على أساليب طورتها الحياة الاجتماعية أصلاً، ثم استخدمها بمعنى معاكس. فالتوسع والنمو، في الحياة الاجتماعية، شرطان للحماية والبقاء؛ لكن السلطة حوّلتهما إلى أدوات للهيمنة والاحتكار.لذلك لا تستطيع وحدات الحضارة الديمقراطية إثبات وجودها ما لم تنظم نفسها وتطوّر أدواتها. فهي تواجه احتكارات متطورة ومنظمة في حين بقيت محدودة الإمكانات، مشتتة، ومضطرة إلى استنزاف طاقتها اليومية في تأمين قوتها. وقد أدى هذا الوضع إلى خضوعها لضغط الدول والنظم المستغلة، وإضعاف قدرتها على التنظيم.المقصود بوحدات الحضارة الديمقراطية هو جميع الفئات التي تدرك، بدرجات متفاوتة، وضعها المناهض للنظام القائم؛ من الفرد إلى أكبر الوحدات الاجتماعية. وإذا كان ماركس قد قرأ التاريخ من زاوية الصراع الطبقي بين العبيد والسادة، والإقطاعيين والفلاحين، والعمال والرأسماليين، فإن هذا التصور ينظر إلى المجتمع المضطهد نظرة أشمل. فالطبقات جزء من المجتمع المضطهد، إلى جانب الشعوب والفئات والجماعات الأخرى التي تقف في مواجهة الحضارة الطبقية الدولتية.إن تنظيم هذه الوحدات هو الحلقة الأساسية للنموذج الديمقراطي والبيئي والتحرري للمرأة. ولا يمكنها أن تبقى مشتتة وغير منظمة أمام حضارة دولتية شديدة التنظيم. ويجب أن تبني نظامها الخاص على مبادئ التعددية، وإلا ستبقى عرضة للقمع والهزيمة، كما أظهر تاريخ خمسة آلاف عام من الصراع. فالتمثيل الكمي لا يتحول إلى قوة نوعية إلا بالتنظيم.
الأمة الديمقراطية والانتشار العالمي
استطاع النظام الطبقي والهرمي والدولتي أن ينتقل من مدينة صغيرة مثل أوروك إلى احتكارات عالمية عبر التراكم والتنظيم والتوسع. وقد تحوّل من الواحد إلى الملايين لأنه أدرك أن بقاءه مشروط بتطوير نفسه وتوسيع نفوذه. ومن الضروري فهم هذا المسار من أجل إدراك كيفية بناء وحدات الحضارة الديمقراطية لقدرتها الذاتية.لا تستطيع الأمة الديمقراطية الناشئة في كردستان أن تحافظ على وجودها أو تحقق غاياتها إن بقيت محصورة داخل حدود كردستان. فالوحدة الاجتماعية الأخلاقية والسياسية، الواعية والمنظمة داخلياً، تصبح فعالة بقدر ما تطور نفسها وتعمم وجودها إقليمياً وعالمياً. إن التحول إلى قوة مؤثرة يتطلب الحفاظ على الذات والتوسع في آن واحد.ومن هنا تكتسب مفاهيم «تحالف الشعوب» و«أخوة الشعوب» معناها الاستراتيجي. فهي ليست دعوات رومانسية أو عابرة، بل تعبير عن ضرورة أن ترتبط وحدات الحضارة الديمقراطية ببعضها إقليمياً وعالمياً، كما ترتبط الاحتكارات والقوى المهيمنة في ما بينها. والانفصال عن النظام الطبقي الدولتي لا يتحقق إلا بالقيام بمهام فكرية وأخلاقية وسياسية مترابطة.المهمة الفكرية تتصل بتطوير العقلية والتفكير المنهجي على مستوى المجتمع الديمقراطي. والعقل مرن وقابل للتشكيل الإيجابي والسلبي، وقد أدركت مراكز السلطة ذلك، فعملت على فرض ذهنيتها الخاصة على المجتمع. ولهذا يصبح النشاط الفكري أولوية أساسية من أجل جمع الوحدات المتفرقة وتوحيدها في أفق مشترك.أما المهمة الأخلاقية، فتتمثل في حماية الروح الاجتماعية للمجتمع. فقد تعرضت الأخلاق للقمع والفساد والتآكل طوال التاريخ، لأن تفكيك الأخلاق هو طريق تفكيك المجتمع وإخراجه من كينونته. وقد وضع النظام الطبقي الهرمي القانون والقضاء محل الأخلاق الاجتماعية، لذلك يصبح إحياء الفهم الأخلاقي وإعادة بنائه مهمة لا غنى عنها.وتعني المهمة السياسية تطوير المجتمع بصورة صحية وتنظيمه في مختلف المجالات وإدارته لذاته. السياسة هي التنظيم اليومي للحرية والمساواة والحياة العادلة، وهي قدرة المجتمع على تدبير شؤونه بنفسه. ومع تطور الدولة والبيروقراطية، جرى انتزاع السياسة من المجتمع واستبدالها بالإدارة. ولهذا لا بد من إعادة السياسة إلى مركز العمل الاجتماعي، لأن غيابها يعني خروج المجتمع من كينونته.
أزمة النظام هي أزمة فكرية
تتداخل المهام الفكرية والأخلاقية والسياسية في تاريخ المجتمعات. ففي القبائل، التي كانت من أكثر الوحدات الاجتماعية دواماً بعد الكلان، لم يكن هناك فصل حاد بين الفكر والأخلاق والسياسة. كانت الجماعة تنمو عبر النشاط العقلي، وتنظم علاقاتها عبر الأخلاق، وتحمي احتياجاتها اليومية عبر السياسة.وقد تطورت العشائر من اتحادات قبائل، ونظمت نفسها في صيغ كونفدرالية، مما يجعل كونفدرالية العشائر شكلاً سياسياً. وتطورت الأخلاق عبر التجربة والثقافة، وعن طريق نقل خبرات النساء والمسنين، فيما ساهم الشامان والكهنة والنساء ذوات المكانة وكبار السن في تطوير الفكر والعقلانية والتنوير.وفي الديانات الإبراهيمية تطورت هذه المهام بصورة متداخلة أيضاً. فالمدارس مثلت مؤسسات فكرية في الإسلام، والمسجد مؤسسة أخلاقية، وأنماط السلطنة والحكم تعبيرات سياسية. كما مثّل ظهور الأنبياء والنصوص المقدسة والوصايا أنشطة فكرية وأخلاقية في مواجهة الأنظمة، فمعارضة الأنبياء للحكام، من نمرود إلى الفرعون، والوصايا العشر والكتب المقدسة، تُعدّ من هذا المنظور إنجازات فكرية وأخلاقية في آن واحد.لكن التداخل الشديد بين هذه المهام حدّ أحياناً من استقلاليتها وإبداعها. وفي أيونيا واليونان وروما، بدأت الحركة الفكرية تكتسب استقلالاً أوضح، فظهرت مدارس الفلسفة بوصفها مؤسسات فكرية واسعة الانتشار، وأصبح الانتقال من التبعية إلى الحرية موضوعاً أساسياً. وفي روما، تطورت الأخلاق في المعابد، والسياسة في هيئة الجمهورية ومجلس الشيوخ والإمبراطورية.أما في الحداثة الرأسمالية، فحُصرت الأنشطة الفكرية في الجامعات وربطت بالدولة القومية، ففقدت استقلاليتها. وتعرضت الأخلاق لضربات قاسية، وحلت القوانين الوضعية والحقوق محلها. كما قُيّدت السياسة في البرلمان، ثم استبدلت بالإدارة والبيروقراطية والدولة. وبذلك انفصل المجتمع بدرجة كبيرة عن مهامه الفكرية والأخلاقية والسياسية.وفي الدول الاشتراكية المشيدة، أصبحت السياسة مركزية ومنعزلة عن المجتمع، وحل القانون الوضعي محل الأخلاق، وحُصرت المهمة الفكرية في نخبة بدلاً من المجتمع كله. وعلى الرغم من أن الثورات الاشتراكية رفعت راية الفكر الجديد، فإنها انغمست في الدوغمائية ولم تطور فكراً جديداً، وهو ما أدى إلى فشلها.في جوهر كل أزمة تكمن أزمة فكرية. فكل بناء اجتماعي هو نتاج جهد البشر وعقولهم. وحين يواجه النظام انسداداً وأزمات غير طبيعية، فإن ذلك يكشف عن أزمة عميقة في الفكر والعقل. ولا يمكن فهم هذه الأزمة من خلال الفلسفة الوضعية والميتافيزيقية، لأنهما تتعاملان مع التطور الاجتماعي بوصفه مساراً خطياً تحكمه قوانين ثابتة، وتقللان من شأن إرادة المجتمع وقدرته على التدخل والتغيير.كما أن الماركسية، حين تفسر الأزمات أساساً من خلال التناقض بين القوى المنتجة والعمل والاستغلال، لا تضع التكوين الفكري الذي أوصل المجتمع إلى الأزمة في مركز التحليل. لذلك فإن تجاوز الأزمات لا يتحقق إلا بعملية فكرية وثورة فكرية جديدة.
الثورات الفكرية ومسار الحضارة
شهد التاريخ ثورات فكرية متعاقبة دفعت المجتمعات إلى التحول. ففي العصر النيوليتي، بين الألفية السادسة والرابعة قبل الميلاد، تطورت الزراعة وتدجين الحيوانات، وتنظم المجتمع، واستُخدمت التقنية، وتطور فن الإدارة والفن والجمال والفكر الروحي، وازداد الإنتاج أضعافاً. وتمثل هذه المرحلة أول ثورة فكرية كبرى.أما الثورة الفكرية الثانية فتطورت في العهد السومري. وكانت لها جوانب هائلة في الكتابة والرياضيات والأدب والفن والأساطير والطب وعلم الفلك والتقنية. إلا أن الحكام أخضعوا هذه التراكمات لسيطرتهم، فلم تخدم التدفّق الجدلي للمجتمعات كما ينبغي.ثم انتقلت هذه التراكمات من سومر إلى اليونان وأيونيا، حيث جرى تعميقها لا رفضها. وتمثل الثورة الفكرية اليونانية نقلة نوعية، إذ طورت أسلوباً جديداً للتفكير ومهدت للانتقال من الفكر الأسطوري والديني المختلط إلى التفكير العلمي. فظهرت أساليب جديدة لفهم الكون والمجتمع، وتطورت الأبجدية والأدب والفن وفن الإدارة، إلى جانب الفيزياء والمنطق والرياضيات والتاريخ والطب.تراكمت منجزات ميزوبوتاميا واليونان وروما وآسيا وأفريقيا والأمريكيتين وغيرها في أوروبا، وبلغت الثورة الفكرية ذروتها مع الثورة الصناعية. لكن الدولة القومية احتكرت هذه التراكمات، وأخضعت الفن والأدب والفيزياء والطب وعلم الأحياء والكيمياء والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية والفلسفة والثقافة لمصالح رأس المال. وهكذا تحولت المعرفة من خدمة المجتمع إلى أداة للهيمنة عليه، وتعاظمت الأزمات التي أدت إلى الحربين العالميتين.
سوسيولوجيا الحرية والباراديغما الجديدة
مع دخول الفلسفة الوضعية أزمتها، ظهرت محاولات جديدة في العلوم الاجتماعية، منها مدرسة فرانكفورت ومدرسة الحوليات. كما فتحت ثورة الكوانتا آفاقاً جديدة في التفكير. إلا أن النقاشات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وبخاصة مرحلة 1968–1970، لم تنتج بديلاً مكتمل الأركان للحداثة الرأسمالية.شكلت الحركات النسوية والبيئية والثقافية والديمقراطية والشبابية أرضية مهمة للانطلاق الثوري، لكنها لم تطور عملية بديلة مكتملة. وقدمت ما بعد الحداثة نقداً للمركزية الغربية وللاشتراكية المشيدة، وكشفت أن الغرب ليس المصدر الوحيد لكل التطورات، لكنها لم تتجاوز الرأسمالية فكرياً أو عملياً. بل منحت الحداثة الرأسمالية متنفساً أعانها على معالجة أزماتها ومواصلة وجودها.ويتصل هذا المسار بتطور الرأسمالية من مرحلتها التجارية إلى الصناعية ثم المالية. ففي مرحلة الرأسمالية المالية، لم يعد علم الاجتماع الوضعي كافياً لخدمة احتكار المال العالمي، بينما أصبحت هيمنة الدولة القومية عائقاً أمام توسع رأس المال. ولذلك جاء علم اجتماع ما بعد الحداثة منسجماً مع هذه المرحلة.إن فهم الوضعية وما بعد الحداثة، وفهم مرحلة 1968–1970، ضروريان لتطوير علم اجتماع بديل. فالعصر الراهن هو عصر أزمات نظامية وفكرية، ولا يمكن حل هذه الأزمات إلا بثورة فكرية جديدة.تطرح باراديغما الديمقراطية والبيئة وتحرر المرأة، التي طوّرها عبد الله أوجلان، ثورة فكرية وباراديغما تاريخية اجتماعية جديدة. وهي تشكل ولادة عصر فكري جديد إذا جرى فهمها وتطويرها كما ينبغي. وتقدم سوسيولوجيا الحرية بديلاً عن الحداثة الرأسمالية القائمة على الدولة القومية والصناعوية والرأسمالية، عبر الأمة الديمقراطية، والاقتصاد البيئي، والاقتصاد التعاوني المجتمعي، والكونفدرالية الديمقراطية بوصفها تنظيماً غير دولتي.الكونفدرالية الديمقراطية هي تنظيم الأمة الديمقراطية غير الدولتي. وهي الإطار الذي تستطيع من خلاله وحدات الحضارة الديمقراطية أن تعبر عن ذاتها وتنظم المجتمع ليصبح الفاعل الرئيسي. وإذا كانت الحضارة الدولتية تمتلك أدوات هائلة وتنظيماً عالمياً، فإن انضمام غالبية المجتمع إلى تنظيم كونفدرالي تعددي يصبح ضرورة تاريخية.
روجآفا والتوسع بوصفه حماية
تمثل الأمة الديمقراطية في كردستان وحدة حضارية ديمقراطية واعية ومنظمة، لكنها لا تستطيع النجاح إن بقيت محصورة في بنائها الذاتي المحلي. فالانتشار من الكلان إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الشعب، ومن الشعب إلى الأمة الديمقراطية، هو من قوانين الحياة الاجتماعية القائمة على زيادة التنوع.إن بناء كونفدرالية ديمقراطية في الشرق الأوسط واتحادات ديمقراطية عالمية لا يتحقق بالخطابات فقط، بل يتطلب بنية تحتية وأدوات فكرية وأخلاقية وسياسية، وقدرة على الوصول إلى ملايين الناس وتطوير نمو مادي وروحي عالمي.وتظهر تجربة الاتحاد السوفييتي مثالاً سلبياً؛ إذ جرى التعامل مع الحركات الديمقراطية والتحررية الخارجية كأدوات للدفاع عن الوطن، لا بوصفها قوى مستقلة ينبغي أن تنمو وتنتشر. فلم تتحول الوحدة السوفييتية إلى وحدة عالمية منتشرة، ولم تستطع في النهاية حتى حماية ذاتها، فانهارت.أما ثورة روجآفا، التي تجسدت وفق نموذج الحضارة الديمقراطية، فلا يمكن أن تستمر وتحمي نفسها إلا بالنمو والتوسع والتحول إلى قوة إقليمية وعالمية. ولا ينبغي التضحية بوحدات الحضارة الديمقراطية الأخرى من أجل روجآفا، لأن سياسة «كل شيء من أجل روجآفا» تعيد إنتاج منطق سوفييتي منغلق.إن حماية روجآفا تتحقق عبر توسيع تحالف الشعوب أفقياً، بدءاً من الشرق الأوسط، ثم على مستوى أوسع. فالاحتكارات الرأسمالية والقوى الاستعمارية لن تسمح بهذا المسار بسهولة، لكنها لا تستطيع أن تمنع تحول الثورة إلى قاعدة لتحرر إنساني أوسع إذا استُخلصت دروس التاريخ.
نحو حركة عالمية
يتطلب الانتشار العالمي للحضارة الديمقراطية تجاوز النهج الضيق والدوغمائي والمتمركز حول الذات. فكل تشكيل يبقى أسير نفسه يتجه إلى الانكماش، كما أن المركزية المفرطة تناقض لغة الكونفدرالية الديمقراطية. ويتطلب التطور والتعمق والتوسع مقاييس عالية وأساليب مرنة وخلاقة.إن الخوف والشك والقلق والانغلاق، حين تتحول إلى نهج دائم، تصبح عوائق أمام النمو. وينبغي النظر إلى تطوير الباراديغما وتوسيعها بوصفه مهمة تاريخية، كما كانت الأفكار والثورات الفكرية في التاريخ قوى للتوسع والتحول إلى نظم عامة.لقد نجحت السلطة تاريخياً في التسلل إلى العلاقات التقليدية والطبيعية للمجتمع، كالفيروس، واستخدامها لمصلحتها، فهدفها الوحيد هو انتشار السلطة نفسها بصرف النظر عن الوسيلة، تماماً كما في مشهد «سيد الخواتم» حين تُمنح الخواتم للجميع لتصدير النظام لا لخدمتهم، كما تستفيد اليوم من التكنولوجيا والإنترنت والعلاقات الاجتماعية في توسيع نطاق هيمنتها. ولذلك ينبغي لوحدات الحضارة الديمقراطية أن تطور علاقات اجتماعية جديدة وخلاقة، وأن تحول علاقات الإنتاج والاستهلاك والعلاقات اليومية إلى مؤسسات دائمة تساعد في تغيير الحياة.يتطلب ذلك إنشاء مؤسسات وممثليات ومجالات واسعة، وتطوير العلاقات الاجتماعية لتخدم الانتشار. وينبغي أن تعمل المهام الفكرية والأخلاقية والسياسية معاً، مع احتفاظ كل منها باستقلاليتها. والمطلوب هو نشر فكر الحرية والديمقراطية والبيئة وتحرر المرأة بموقف مبدئي ومرن وخلاق، بعيداً عن الليبرالية المفرطة والبراغماتية.ومع انطلاق حملة «الحرية الجسدية» للقائد عبد الله أوجلان في 10 تشرين الأول 2023، وتوسعها إقليمياً وعالمياً، انكسرت جزئياً الجوانب الضيقة والدوغمائية التي أحاطت بالتعامل مع هذه الباراديغما، وهو ما فتح أرضية جديدة للأمل في «عالم جديد ممكن».وفي هذا السياق يكتسب تقييم الفيلسوف سلافوي جيجك لفكر عبد الله أوجلان دلالة خاصة؛ فقد قرأ جيجك مقطعين من كتاب أوجلان يتناولان سؤال «كيف يجب أن نعيش؟»، معتبراً أنهما يكشفان حاجة الفرد إلى تحرير نفسه من الإحداثيات الأيديولوجية الراسخة في أعماقه قبل أي تحرر اجتماعي حقيقي، ورافضاً أن يكون موقفه من نضال أوجلان مجرد تعاطف، معلناً بدلاً من ذلك تضامنه التام واعتبار أن «نضاله هو نضالي»، وداعياً المثقفين والأكاديميين إلى أن يحذوا حذوه بدل الاكتفاء بموقف المتفرج المتعاطف.لا ينبغي للمثقفين والأكاديميين والمفكرين والفنانين والكتّاب وعلماء الاجتماع والنساء والشباب والاشتراكيين والأناركيين والديمقراطيين وكل القوى المناهضة للنظام أن يبقوا في موقف «الدعم» الخارجي. فالمطلوب أن يتبنوا هذه الباراديغما، ويكيّفوها مع ظروفهم، ويجعلوها أساساً لنضالهم من أجل الحرية.إن شعار «عالم جديد ممكن» لا ينبغي أن يبقى شعاراً، بل أن يتحول إلى مبادرات عالمية تجمع الوحدات المناهضة للنظام، وتفتح مساحات للنقاش والتنظيم والعمل. ويمكن للشباب والنساء، الذين قادوا تاريخياً تحولات اجتماعية كبرى، أن ينقلوا دورهم إلى مستوى عالمي في ضوء النموذج الديمقراطي والبيئي والتحرري للمرأة.التحرر الاجتماعي يبدأ بتحرير الذات من الهزائم والأفكار والإحداثيات الأيديولوجية التي تغلغلت في الحياة اليومية وأصبحت تبدو طبيعية. ومن أجل بناء عالم اجتماعي جديد، لا بد أولاً من رفض النظام القائم، وخلق فسحة فكرية وأخلاقية تسمح بتكوين الجديد.إن المرحلة الراهنة تضع المجتمع أمام مهمة تاريخية: بناء حضارة ديمقراطية عالمية، لا تقوم على الدولة والاحتكار والهيمنة، بل على التنظيم الكونفدرالي، والتعددية، والأخلاق، والسياسة الاجتماعية، والبيئة، وتحرر المرأة. وهذه ليست مهمة فئة واحدة أو منطقة واحدة، بل مهمة جميع الوحدات والقوى التي تريد الخروج من أزمة النظام وبناء عالم حر.
