تحرير الطبيعة يبدأ بتحرير المجتمع

لماذا لا يمكن فصل أزمة البيئة عن أزمة المجتمع؟

لا ينظر عبد الله أوجلان إلى القضية الأيكولوجية باعتبارها مشكلة بيئية منفصلة يمكن معالجتها بإجراءات تقنية أو حلول اقتصادية جزئية، بل يربطها بتاريخ المجتمع وطبيعة علاقته بالسلطة والاحتكار والربح. فمن منظوره، لا يمكن فهم تدمير الطبيعة بمعزل عن التحولات التي أصابت المجتمع نفسه، ولا يمكن بناء علاقة متوازنة مع البيئة من دون إعادة النظر في أسس النظام الاجتماعي الذي أنتج هذا الاختلال.

ينطلق هذا التصور من فكرة أساسية مفادها أن المجتمع والطبيعة ليسا مجالين متعارضين بطبيعتهما، بل يرتبطان بعلاقة متبادلة تشكّلت عبر تاريخ طويل. غير أن صعود المدنية الهرمية، ثم الحداثة الرأسمالية والصناعوية، أدى ـ وفق تحليل أوجلان ـ إلى تعميق الانفصال بينهما، وتحويل الطبيعة والمجتمع إلى مجالين للاستثمار والاستغلال.

ومن هنا، تصبح الأيكولوجيا قضية تتجاوز حماية الموارد الطبيعية إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للمجتمع أن يستعيد قدرته على تنظيم حياته بصورة أخلاقية وديمقراطية، وأن يؤسس علاقة متوازنة مع الطبيعة؟

– المجتمع الطبيعي والجذور التاريخية للأزمة

. المجتمع الطبيعي بوصفه أساس الوجود المجتمعي

يبدأ أوجلان تحليله من نقد النظرة التي تتعامل مع المجتمع الطبيعي باعتباره مرحلة بدائية انتهت مع ظهور الدولة والحضارة. فهو يرى أن المجتمع الطبيعي لم يختفِ، بل ظل حاضراً بأشكال متعددة، رغم ما تعرض له من قمع وتهميش وتفكيك.

ويشبّه المجتمع الطبيعي بالخلية النواة التي تتولد منها أنسجة المجتمع ومؤسساته. فالمجتمعات اللاحقة، بما فيها المؤسسات الهرمية والدولتية، نشأت داخل هذا الإطار التاريخي، وتغذت من القيم التي أنتجها المجتمع عبر تطوره الطويل.

وبهذا المعنى، لا يمثل المجتمع الطبيعي مجرد مرحلة ماضية ينبغي تجاوزها، بل يشكل أساساً لفهم الوجود الاجتماعي ذاته. فالمجتمع، وفق هذا التصور، لا يستمد حياته من السلطة وحدها، بل من الروابط والقيم المشتركة التي تجعل العيش الجماعي ممكناً.

. القيم المشاعية واستمرار المجتمع

يؤكد أوجلان أن المشاعية ليست مجرد شكل اقتصادي قديم، بل هي مضمون أساسي في تكوّن المجتمع واستمراره. فالحياة المشتركة، والتعاون، وتقاسم المسؤوليات، والروابط الاجتماعية، ليست عناصر عابرة يمكن الاستغناء عنها من دون أن يتأثر الوجود المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، ينتقد أوجلان التصورات التي تختزل التاريخ في الصراع الطبقي أو في تطور الأنظمة الاقتصادية وحدها. فهو لا ينكر أهمية الصراع الطبقي، لكنه يراه أحد ديناميكيات التاريخ، لا العامل الوحيد الذي يفسر تطور المجتمعات.

ويمنح في المقابل أهمية للمقاومة التي حملتها الجماعات الإثنية والقبلية والشعبية، وللثقافات واللغات والأخلاق التي حافظت على تماسك المجتمعات رغم تعرضها للهيمنة والاستغلال.

. التاريخ من منظور المجتمع لا السلطة وحدها

يرى أوجلان أن كتابة التاريخ انطلاقاً من الدول والحكام والحروب السياسية وحدها تؤدي إلى تهميش القسم الأكبر من التجربة الإنسانية. فالتاريخ الرسمي، في نظره، لا يمنح القيم الاجتماعية للمحكومين والمهمشين المكانة التي تستحقها.

ولذلك يدعو إلى قراءة التاريخ بوصفه سيرورة من التناقضات بين المجتمع الطبيعي والبنى الهرمية والدولتية التي نشأت داخله. فإلى جانب تاريخ السلطة، هناك تاريخ المجتمعات التي قاومتها، وحافظت على أشكال من التضامن والمشاعية والعيش المشترك.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها لأنها تتيح، وفق أوجلان، فهم جذور الأزمة المعاصرة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها خللاً طارئاً يمكن إصلاحه من دون مراجعة المسار التاريخي الذي أفضى إليها.

. من نقد التجارب السابقة إلى البحث عن بديل

يربط أوجلان بحثه عن المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي بأزمة النماذج التي طرحت نفسها بديلاً عن الرأسمالية، وبخاصة التجربة الاشتراكية المشيدة. وهو يرى أن تجاوز الرأسمالية لا يتحقق بمجرد تغيير ملكية وسائل الإنتاج أو الاستيلاء على السلطة السياسية، إذا بقيت البنى الهرمية وعلاقات الهيمنة قائمة.

ومن هنا، يطرح ضرورة بناء إطار نظري يستوعب التاريخ الاجتماعي بأبعاده المختلفة، ويبحث عن الحل خارج منطق الدولة الهرمية والسلطة الاحتكارية.

إن المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي، في هذا السياق، ليس مجرد صيغة اقتصادية بديلة، بل تصور لإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس المشاركة والقيم المشتركة والعلاقة المتوازنة مع الطبيعة.

– الأيكولوجيا بوصفها قضية اجتماعية

. اختلال العلاقة بين المجتمع والطبيعة

يصف أوجلان العلاقة بين المجتمع والبيئة بأنها علاقة حساسة تشكّلت عبر مراحل طويلة من التطور. وفي المجتمع الطبيعي، بحسب تصوره، كانت الحياة الاجتماعية مرتبطة بالتفاعل مع المحيط الطبيعي، ولم يكن الانفصال بين الإنسان والطبيعة قد بلغ المستوى الذي عرفته المجتمعات الحديثة.

لكن صعود المدنية، كما يقرأه أوجلان، أحدث تحولاً في هذه العلاقة. فقد أخذ المجتمع يُنظَر إليه باعتباره مجالاً للسيطرة والتنظيم من أعلى، فيما تحولت الطبيعة تدريجياً إلى مادة للاستثمار والاستغلال.

وبذلك لم يعد الاختلال البيئي مجرد نتيجة جانبية لبعض الأنشطة البشرية، بل أصبح مرتبطاً ببنية اجتماعية واقتصادية ترى في التوسع والتراكم غايتين أساسيتين.

. الأزمة الأيكولوجية امتداد لأزمة المجتمع

يربط أوجلان بين تفكك الروابط الاجتماعية وتدهور العلاقة مع الطبيعة. فالقوى التي تفكك المجتمع من داخله، وتضعف قدرته على تنظيم حياته بصورة مشتركة، تسهم أيضاً في قطع أواصره مع البيئة.

ومن هذا المنظور، لا يمكن معالجة التلوث أو استنزاف الموارد بمعزل عن الظروف الاجتماعية التي تنتجها. فالأزمة البيئية تتداخل مع الفقر والحرمان والبطالة والتفاوت، كما أن الكوارث البيئية يمكن أن تتحول بدورها إلى أزمات اجتماعية جديدة.

إن العلاقة هنا تبادلية: تدمير البيئة يفاقم معاناة المجتمع، وتفكك المجتمع يضعف إمكاناته في حماية البيئة وإعادة التوازن إليها.

. الطبيعتان الأولى والثانية

يستخدم أوجلان مفهوم الطبيعة الأولى للإشارة إلى الطبيعة التي تشكل الإطار الحيوي لوجود الإنسان، فيما يشير مفهوم الطبيعة الثانية إلى العالم الاجتماعي الذي يبنيه البشر من خلال مؤسساتهم وعلاقاتهم وأنشطتهم.

ولا يتعامل مع الطبيعتين بوصفهما مجالين منفصلين تماماً؛ فالمجتمع ينشأ داخل الطبيعة ويتفاعل معها، كما أن ما ينتجه من مؤسسات وأنظمة يؤثر في المحيط الطبيعي.

وتنشأ المشكلة، وفق هذا التصور، عندما تتحول الطبيعة الثانية إلى بنية تدمّر شروط استمرارها، وتضع المجتمع والطبيعة الأولى في مواجهة متصاعدة. فبدلاً من أن تكون الحياة الاجتماعية امتداداً منظماً للحياة الطبيعية، تصبح منظومة تستنزفها وتهدد توازنها.

. من التناقض الاجتماعي إلى الكارثة البيئية

يشدد أوجلان على أن الأزمات الاجتماعية والبيئية لا تسير في مسارين مستقلين، بل تتفاعل وتغذي بعضها بعضاً. فالاحتكار وتراكم الثروة والسلطة يضعفان التوازن الاجتماعي، فيما يؤدي استنزاف البيئة إلى تفاقم الأزمات المعيشية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، ينتقد الاكتفاء بالتحليلات الطبقية أو الوصفات الاقتصادية أو التدابير السياسية الجزئية، إذا لم تتناول الجذور البنيوية للأزمة.

فالمشكلة، كما يطرحها، ليست فقط في نتائج النشاط الاقتصادي، بل في نمط العلاقة الذي يجعل المجتمع والطبيعة خاضعين لمنطق التوسع والسيطرة والتراكم.

– الحداثة الرأسمالية والصناعوية وتدمير التوازن

. الربح الاحتكاري بوصفه محركاً للاختلال

يربط أوجلان الأزمة الأيكولوجية بتعاظم منطق الربح والاحتكار، ويرى أن التراكم لا يقتصر على الثروة المالية، بل يشمل أيضاً تراكم السلطة والتحكم في المجتمع والطبيعة.

فحين يصبح الربح غاية تتقدم على الحاجات الاجتماعية والتوازن البيئي، تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات للاستثمار، ويُختزل المجتمع إلى مجال للإنتاج والاستهلاك.

ويؤكد هذا التحليل أن الأزمة ليست محصورة في مرحلة الرأسمالية المعاصرة وحدها، إذ يرى أوجلان أن أشكالاً من التراكم والهيمنة رافقت مراحل مختلفة من تاريخ المدنية. لكنه يعتبر أن الحداثة الرأسمالية دفعت هذه النزعة إلى مستويات غير مسبوقة.

. الصناعوية وحدود العقلانية التقنية

يمنح أوجلان الصناعوية مكانة مركزية في تفسير الأزمة البيئية. وهو يميز ضمناً بين استخدام التقنية بوصفها وسيلة لتلبية حاجات المجتمع، وبين تحويل التصنيع والتوسع التقني إلى منطق مهيمن على الحياة.

فالتقنية، في هذا التحليل، لا تكون مدمرة لمجرد كونها تقنية؛ إنما تكمن المشكلة في النظام الذي يحدد غايات استخدامها، ويجعلها خاضعة للتراكم والربح والاحتكار.

ومن هنا ينتقد الاعتقاد بأن التقدم التقني وحده قادر على حل الأزمة. فالعقل التحليلي، إذا انفصل عن المسؤولية الأخلاقية وعن فهم الترابط بين المجتمع والطبيعة، قد ينتج أدوات أكثر قدرة على الاستغلال والتدمير بدلاً من تحقيق التوازن.

. المدينة المتضخمة وانهيار الريف

يربط أوجلان بين تضخم المدن وتراجع المجتمع الريفي، ويرى أن التوسع الحضري غير المتوازن يؤدي إلى إضعاف الروابط بين المدينة ومصادرها الزراعية والطبيعية.

فالمدينة، في تصوره، لا يمكن أن تستمر بصورة صحية إذا تجاوزت حدود علاقتها بالريف والبيئة، وتحولت إلى مركز يستهلك الموارد من دون أن يحافظ على شروط إنتاجها وتجددها.

ويستحضر أوجلان صوراً من المدن القديمة ليشير إلى ما يراه تكاملاً بين العمارة والحياة العامة والزراعة، قبل أن تتعاظم، في نظره، أشكال التوسع الحضري المنفصلة عن التوازن البيئي.

ولا يقتصر نقده على حجم المدن، بل يشمل أيضاً فقدانها وظائفها الاجتماعية والثقافية، وتحولها إلى فضاءات للاستهلاك والبطالة والاغتراب.

. الوقود الأحفوري والكوارث المتشابكة

يتناول أوجلان استخدام الوقود الأحفوري والتوسع الصناعي بوصفهما عاملين أساسيين في تعميق الأزمة الأيكولوجية. ويربط بين التصنيع المعتمد على هذه الموارد وبين تزايد الأعباء التي يتحملها المجتمع والبيئة.

كما يلفت إلى أن آثار هذا النمط لا تقف عند حدود التلوث المباشر، بل تمتد إلى سلسلة من النتائج الاجتماعية والبيئية المتبادلة؛ فالأضرار البيئية قد تتحول إلى أزمات معيشية وصحية، وهذه الأزمات بدورها تؤثر في المجتمع ومحيطه.

وبذلك يقدم الأزمة بوصفها شبكة مترابطة من النتائج، لا مجموعة مشكلات منفصلة يمكن التعامل مع كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.

– الشرق الأوسط والإرث المجتمعي والأيكولوجي

. المجتمع النيوليتي وعلاقته بالطبيعة

يولي أوجلان المجتمع النيوليتي أهمية خاصة في قراءته التاريخية، ويربطه بتطور الزراعة والاستقرار وبناء أشكال أولية من الاقتصاد والثقافة المجتمعية.

وفي تصوره، لم تكن الطبيعة في هذا العالم مجرد مورد خارجي، بل احتلت مكانة حيوية في المعنى والثقافة والمعتقدات. كما يربط بين دور المرأة في أنشطة الإنتاج الأولى وبين نشوء أنماط من الحياة الاجتماعية المتصلة بالأرض والتغذية والرعاية.

ويستحضر هذه المرحلة لا بوصفها نموذجاً ينبغي استعادته حرفياً، بل باعتبارها مدخلاً لفهم الجذور التاريخية للعلاقة بين المجتمع والطبيعة، وما طرأ عليها من تحولات لاحقة.

. تراجع القيم المجتمعية مع صعود المدنية

يرى أوجلان أن صعود البنى الهرمية والدولتية ارتبط بتحولات في مكانة القيم التي تشكلت داخل المجتمع الطبيعي. فالقيم المرتبطة بالمشاعية والعمل المشترك، في قراءته، تعرضت للتهميش مع تعاظم السلطة والاحتكار.

ويصل هذا التحليل إلى العلاقة بين المجتمع والأرض والمرأة، حيث يرى أن ما كان جزءاً من منظومة الحياة والإنتاج تحول تدريجياً إلى مجال للسيطرة والاستغلال.

ويقرأ أوجلان بعض التصورات الدينية والاجتماعية التي تقلل من شأن الطبيعة أو المرأة بوصفها تعبيرات عن هذا التحول التاريخي. وهذه قراءة فكرية خاصة بالمصدر، تربط بين تغير المعاني الثقافية وبين تغير علاقات السلطة والإنتاج.

. ميزوبوتاميا والتصحر بوصفهما مثالاً تاريخياً

يتوقف أوجلان عند ميزوبوتاميا، ويربط تاريخ المدنية في المنطقة بما يراه من تراجع في العلاقة المتوازنة مع البيئة. ويشير إلى أن بعض أنماط الاستغلال الزراعي، ومنها الاستخدام المستمر للأراضي، أسهمت في مشكلات بيئية مثل تملح التربة.

ومن خلال هذا المثال، يطرح أن التدهور البيئي ليس ظاهرة حديثة بالكامل، بل له جذور تاريخية تراكمت مع تطور أنماط الاستقرار والسلطة والإنتاج.

ويضع هذا التحليل الشرق الأوسط ضمن سياق أوسع، يرى فيه أن المجتمعات التي عرفت تحولات مبكرة في المدنية عاشت أيضاً توترات طويلة بين التوسع العمراني والزراعي وبين شروط استمرار البيئة.

. الشرق الأوسط بين الذاكرة الحضارية والأزمة المعاصرة

يمنح أوجلان الشرق الأوسط موقعاً مركزياً في تحليله بسبب ما يراه من عمق تاريخي للتجارب المجتمعية والمدنية في المنطقة، وبسبب ما يصفه من تراكم التناقضات الاجتماعية والبيئية فيها.

وفي هذا الإطار، لا ينظر إلى المنطقة باعتبارها مجرد جغرافيا للصراعات، بل بوصفها فضاءً شهد تطورات مهمة في الزراعة والاستقرار والثقافة والمعتقدات.

غير أن استحضار هذا الإرث لا يعني، في منطق المقالة، الدعوة إلى استعادة الماضي كما كان، بل استخدام فهم التاريخ لتفسير الحاضر والبحث عن إمكانات بناء علاقة مختلفة بين المجتمع والطبيعة.

– الحركة الأيكولوجية وحدود المعالجة الجزئية

. نمو الوعي البيئي والحركة الأيكولوجية

يشير أوجلان إلى تنامي علم البيئة والحركات الأيكولوجية الحديثة، ويرى أن اتساع المعرفة بالبيئة يسهم في نمو الوعي، وأن هذا الوعي يفتح المجال أمام توسع الحركة الاجتماعية المعنية بها.

ويلاحظ أن القضية الأيكولوجية تتجاوز حدود طبقة أو قومية بعينها، لأنها تمس شروط الحياة المشتركة. ولهذا يراها مجالاً يمكن أن تتقاطع فيه فئات اجتماعية متعددة.

لكن أوجلان يلفت أيضاً إلى ما يعتبره محدودية بعض المقاربات التي تركز على مظاهر الأزمة، مثل الوقود والتقنية والاستهلاك، من دون تحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها.

. من الاحتجاج المحدود إلى الممارسة المجتمعية

يدعو أوجلان إلى توسيع الحركة الأيكولوجية بحيث لا تبقى محصورة في الاحتجاجات أو في نطاقات مدينية ضيقة، بل تصبح ممارسة اجتماعية تمتد إلى المجتمع بأسره.

ويولي أهمية خاصة للمجتمع الريفي والزراعة والنساء والبدو والعاطلين عن العمل، باعتبارهم ـ في تصوره ـ أطرافاً ترتبط حياتها مباشرة بالموارد الطبيعية وبالتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وتقوم الفكرة الأساسية هنا على أن الأيكولوجيا لا ينبغي أن تكون نشاطاً منفصلاً عن أنماط الحياة اليومية، بل جزءاً من تنظيم المجتمع وعلاقاته الإنتاجية والثقافية.

– نحو المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي

. إعادة بناء المجتمع وعلاقته بالطبيعة

يصل أوجلان في طرحه إلى ضرورة تجاوز الأزمة من خلال إعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية وأيكولوجية. فالمطلوب، وفق تصوره، ليس مجرد إصلاح بعض النتائج البيئية، بل تغيير العلاقات التي تجعل المجتمع والطبيعة خاضعين لمنطق السلطة والاحتكار والتراكم.

ويضع المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي خارج إطار الدولة الهرمية الكلاسيكية، ويربطه بالمشاركة المباشرة والمنافع المشتركة والأخلاق الاجتماعية. فالمجتمع القادر على تنظيم حياته بصورة ديمقراطية، بحسب هذا المنظور، يستطيع أن يطور علاقة أكثر مسؤولية مع الطبيعة.

ولا يعني ذلك رفض المعرفة أو التقنية في ذاتيهما، بل إعادة توجيه دورهما بما يخدم الحياة الاجتماعية، بدلاً من إخضاعهما لمنطق التوسع غير المحدود.

تغيير نمط الحياة بوصفه جزءاً من التحول

لا يكتمل هذا التصور بمجرد إعلان مبادئ عامة، بل يتطلب ـ وفق المنطق الذي يطرحه أوجلان ـ أن تنعكس القيم الأيكولوجية على الممارسة اليومية، وعلى طرق الإنتاج والاستهلاك وتنظيم المجتمع.

فالأيكولوجيا ليست، في هذا المعنى، قضية تخص البيئة الخارجية فقط، بل ترتبط بكيفية عيش الناس، وبطبيعة العلاقات التي تربطهم بعضهم ببعض، وبمدى قدرتهم على اتخاذ قراراتهم بصورة مشتركة.

ومن هنا، تصبح إعادة بناء المجتمع وإعادة بناء العلاقة مع الطبيعة مسارين متداخلين، لا يمكن الفصل بينهما.

تحرير الطبيعة يبدأ بتحرير المجتمع

تتمحور رؤية عبد الله أوجلان للأيكولوجيا حول الترابط بين المجتمع والطبيعة، وبين الأزمة البيئية والبنى الاجتماعية التي تنظم الحياة. فهو يرى أن تدهور البيئة لا يمكن فهمه بوصفه مشكلة تقنية منفصلة، بل باعتباره نتيجة لمسار تاريخي تعاظمت فيه السلطة والاحتكار والتراكم، وتراجعت فيه القيم المشاعية والعلاقات المتوازنة مع الطبيعة.

ومن هذا المنطلق، يرفض اختزال الحل في إجراءات جزئية لا تمس جذور الأزمة، ويدعو إلى مقاربة اجتماعية أوسع تربط حماية البيئة بإعادة تنظيم الحياة المشتركة، وتطوير الديمقراطية والمشاركة والمسؤولية الأخلاقية.

إن المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي، كما يطرحه أوجلان، يمثل أفقاً لإعادة التفكير في معنى التقدم، وفي العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وفي الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة الاجتماعية.

فالقضية، في جوهرها، ليست كيف نحمي الطبيعة مع الإبقاء على العلاقات التي تستنزفها، بل كيف نبني مجتمعاً يستطيع أن يعيش معها دون أن يحولها إلى موضوع للهيمنة والاستغلال.

وبهذا المعنى، فإن تحرير الطبيعة يبدأ بتحرير المجتمع من العلاقات التي تفككه وتفصل حياته عن شروطها الطبيعية.