هل يمكن أن تكون الفردانية (الأنانية) ضمن المجتمع الكومينالي لها وجود؟

الفرد – المجتمع – الأمة الديمقراطية.


عند تطرُّقِنا لموضوع (أين نحن من الجماعية (المجتمعية))؟ أو (أين تكمن فينا الجماعية (المجتمعية؟))؟ (ما علاقة الفرد بالمجتمع؟) نجد أنّنا وجهاً لوجه أمام قضايا عالقة عبر الزمن، فهذا الموضوع هو موضوع إشكالي لم يستطع المفكّرون والفلاسفة إيجاد حلول شافية لها، وقد ظهرت نظريات كثيرة تحاول البحث عن الحلول لهذه المعضلات التي تستنبط من هذا الموضوع الإشكاليّ والمستعصي، فإذا رغبنا في الولوج إلى معرفة ما حصل لنا في خضم التاريخ الطويل والمتوسط من تاريخنا البشري، فإنّنا أمام العديد من المشاكل التي خلقناها بأنفسنا، وهي موجودة ضمن حياتنا اليومية، فهناك أزمات خُلقت، وبدأت تزداد يوماً بعد يوم. وأكثر ما يكون من الخطورة هو انقطاعنا عن معرفة وجودِنا الحقيقي ضمن المجتمع، أو عدم معرفتنا في تعريف أنفسنا ضمن المجتمع، وكأننا منقطعين عن بعضنا البعض (أي بين المجتمع والفرد)، فإنّنا أيضاً أمام إعطاء تعاريف سطحية عن العلاقة بين الفرد والمجتمع، وأمام إنزال مستوى العمق الموجود بين الإنسان ومجتمعه الى درجات أدنى من حقيقته. 

لقد ظهرت عبر التاريخ الكثير من النظريات التي تبجّل المجتمعية، وبعدها ظهرت نظريات تبجّل الفرد، وتخلق الفجوة بين الفرد والمجتمع وقد سارت النظريات إلى تطبيقات على الواقع، وتحول النزعات الى حروب وصراعات دموية، وهنا يجب أن نقف ونسائل أنفسنا ماذا حصل؟ لماذا وصلنا إلى هذه الدرجة من الجنون في الصراعات؟ ماذا فرض علينا؟ من أين بدأت المشكلة؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى مراجعة وتمحيص والعمق المعرفي. 

عند التمعّن في حاضرنا نجد وتيرة الصراعات تزداد يوماً بعد يوم، وهذه الصراعات تخلق أزمات، وهذه الأزمات تلحق الضرر بالكون أجمعه، وليس بالبشر أو فئة ما، أو شريحة من الناس فحسب، وقد تظهر آثارها بعد مئات من السنين، ولكنها تسرّع من وتيرتها في هذه المرحلة، فالتطورات التي تحصل الآن اذا لم نحلّلها ونعطيها التعريف الصحيح فسوف تتّجه نحو الكارثة، فالجميع يقول هذا القول ويدرك حجم الكارثة المستقبليّة لكنّه لا يتمعّن في لبّ المسألة، وكان الحل في مكان وعلى كوكب آخر، فهذا يبعدنا عن جوهر الموضوع؛ لماذا؟ لأننا نلحق بتعاريف تفرض على الجميع عبر الأجهزة الإعلامية الموجهة إلى تحريف كلّ شيء عن حقيقته، وإظهار الحقائق المتنوعة والمتفككة والمتعارضة، وكأنّ الحقائق المشوّهة هي الحقيقة، وضياع البوصلة عن طريقها.

نسمع يوميّاً أخبار النهب والتدمير والتعذيب، وكأنّ الانسان الحالي يتلذّذ بها، وينساها بسرعة، لأنّه ينتظر أخباراً أخرى، بأساليب أخرى، وينساها مرّة أخرى، وتغدو الذاكرة الجمعية لديه ضعيفة مع مرور الوقت، فيبتعد عن الأخلاق، والسياسة المجتمعية، ويسبح في فضاء مليء بالفراغ، ويدور في دوامة فارغة من الحياة التي تبحث عن الاستقرار، الذي سُلب منه بالأصل مع دخوله إلى تعريفه (ما تهمني نفسي فحسب)، فكثرة الأنا في مكان ما يخلق معه التنافس والصراع في حياة غير آمنة على الشخص. والأنظمة الحداثوية تخلق شخصيات متصارعة على كل شيء، وهذه الأنا الأنانية التي نلتقي بها بشكل واسع، هي من نتاجات الليبرالية التي قالت: أنت حر بما تفعل، ولا تفكر بأحد، إذ تعتمد على الاستيلاء والنهب (ليس بمفهومها الفظ) ونشر العبودية الطوعية بين المجتمع؛ عبودية الشخصنة، وعبودية المادة والليبرالية التي دخلت حياة المجتمعية، فزادت الفروقات، وزادت الأنا ضد الحرية، رغم أخذ كلمة الحرية في مناقشاتها، وكأنّ حب الذات والأنانية هي الحرية الحقة في الحياة وهي التي تتّجه نحو الديمقراطية، وحتى استعمال كلمة الديمقراطية تكثر بين الأفراد الأنانين، فالديمقراطية التي يستفيد منها، وليس الديمقراطية الحقيقية والمجتمعية، وكما يوضح القائد عبدالله أوجلان هذه النقطة بهذا الشكل:  ” فالليبراليةُ مضموناً تَعني التدميراتِ التي يُلحِقُها الفردُ بالمجتمع، والتي لا يمكن كبحُ جماحها. وهذا ما يُبرهنُه تحكُّمُ الاحتكاراتِ بالمجتمع. فبسببِ بُنيتِها اللاديمقراطية، فإنّ شتى أنواع الفردية تميلُ إلى الديكتاتورية في كل المجالات، بدءاً من العائلةِ وحتى الدولة. بينما الشخصانيةُ الديمقراطيةُ مختلفة. حيث تُولي الأولويةَ للفرد بوصفه صوتَ المجتمعِ وعزيمتَه المشتركة. فالفردُ لا يتميز بقيمةٍ ملحوظة، إلا لدى عمله أساساً بهذا الصوت والقرار. وحينئذ فقط يحتل مكانةً قديرة في المجتمع. إذن، والحالُ هذه، فالفرديةُ الليبراليةُ مناهِضةٌ للديمقراطية، باعتبارها ضرباً من الاحتكارات التي لا عدَّ لها ولا حَصر. وما مِن ثرثرةٍ أو معمعةٍ اصطلاحيةٍ ليبراليةٍ أو نيوليبراليةٍ بمقدورها تغييرُ طابعِها الأصليِّ هذا. أما مفردةُ “الليبرالية” التي تُستخدَم بدلاً من مفردةِ “الحرية”، فرغم أنها تدلِّلُ عليها اصطلاحاً، إلا إنها أَثبَتَت عملياً عجزَها عن تَخَطّي معنى الصعود اللامحدودِ للاحتكارات فقط. فالحريةُ الظاهريةُ المعروضةُ مُكَبَّلَةٌ عملياً بشكلٍ من الأشكالِ بالقيودِ الأيديولوجية والمادية الكثيرةِ بما لا مثيلَ له تاريخياً حتى في أنظمةِ الفراعنة. أما الحريةُ الحقيقية، فلا يمكنها اكتسابُ معناها في مجتمعٍ ما، إلا لدى تمكينها بالبُعدِ الاجتماعي. بينما لا يمكنُ للحرياتِ الفرديةِ غيرِ المدعومةِ مجتمعياً أنْ تعنيَ شيئاً إلا ارتباطاً بإنصافِ الاحتكارات. وهذا ما يُعَبِّرُ بدوره عن وضعٍ يَشُذُّ عن روحِ الحرية. أما المساواة، فما مِن هَمٍّ من هذا النوعِ يَشغلُ بالَ الليبرالية.”

وكما نرى خطورة الفرد الذي ابتعد مع مرور الوقت عن مجتمعه وينظر إلى مجتمعه الآن من منظار القنوط، فمن أوصل الفرد الى هذه الحالة؛ هي الأنظمة التي تتربع على حكم العالم بمفهومها السلطوي، وإذ تبعد الفرد عن الديمقراطية، وتشوّه الديمقراطية المجتمعية بكل السبل، فحتى مفهوم المواطن الذي ترفعه الدول هي مصيدة لإيقاع الفرد الحر فيه، لتكسر المقاومة المجتمعية في الفرد، وتربطه بوتد المواطنة، وكان هذا الربط يتحوّل الى حبل الوريد بالنسبة إلى الدولة، فربط الفرد بنظام سلطوي يمر بزرع مفهوم الوطن والوطنية والمواطنة في حماية مصالح الدولة، إذا أعطيت الضرر للدولة فأنت تلحق الضرر بالمواطن والوطن، وهكذا يتمّ تحويل الدولة إلى حامي كل شيء في نظرة المجتمع، والهوية يجب أن تكون للدولة، والدولة تعطي الهوية، والهوية وجودها هو وجود الفرد ضمن الدولة، إذ تربط الفرد بالدولة والدولة بالفرد، وإنّ ظهور إشكالية الانتماء بشكل واسع، يعني حسب مفاهيم الأنظمة؛ هي ما تستطيع ان تكون عليه ضمن الشروط المتاحة في الأنظمة الحاكمة، وهنا علينا أن نوضّح أن الفرد الموجود في إطار الحداثة الرأسمالية لا يمكنه العيش في خضم حياة حقيقية وحياة صائبة، لأنّه يبتعد عن حقيقته الطبيعية، ولا يمكن أن نصف حياته بحياة تبحث عن معنى الحياة، لبعده عن الحقيقة، وبعد الإنسان عن الحقيقة، ما يجعله ينقطع عن المجتمعيّة مع مرور الوقت، وبالعكس أيضاً البعد عن المجتمعية هو البعد عن الحقيقة، وكما يوضح القائد هذه المسألة بهذا الشكل:

“من الأهمية هنا عدم النظر المجرَّد إلى العلاقة بين المجتمع والفرد. فالأفراد هم الناشئون عبر التاريخ بتقاليد وأعرافٍ معينة. ولهم لغاتهم، ويشاركون في البنى والمؤسسات الموجودة في كافة الميادين الاجتماعية التي ذكرناها. إنهم لا يشاركون في المجتمعِ حسب هواهم. بل وفق ما تُمليه عليهم أعرافُه وتقاليده ومؤسساتُه المُعَدَّة بعنايةٍ قصوى منذ أمَدٍ سحيق. بالإضافة إلى أنَّ مجتمعية الفرد تستلزم جهوداً تربوية وتعليمية عظمى. بمعنى ما، فالفرد لا يصبح عضواً منتمياً للمجتمع، إلا بعد أن يتمثلَ الثقافة التي تشكل ماضيَ المجتمع. إذاً، فالمجتمعيةُ تتحقق بجهودٍ حثيثةٍ متواصلة. وكلُّ عملية اجتماعية هي في نفس الوقت عملية مجتمعية. لذلك، فالأفراد لا يَنشَأون كما يشاؤون. بل لا يمكنهم الخلاص من النشوء والترعرع وفق مشيئة مجتمعاتهم. لكن، لا شك في نزوعِ الفرد للمقاومة، وفي تطلعِه الدائمِ إلى الحرية في المجتمعات الطبقية والهرمية خصيصاً، كونها مجتمعات منفتحة على القمع والاستغلال. فالفرد لن يَقبل طوعاً بالمجتمعية المنشِئة للعبودية والخنوع. كما أنه سيبدي مقاومةً وصموداً أعظم حيال المجتمعات الدخيلة والمختلفة عنه والمستغلة له، كي لا يلتحم معها أو ينصهر في بوتقتها. مع ذلك، فستستمر المساعي لإطراءِ التغيير عليه، بل وحتى للقضاء عليه تحت نيرِ قمعِ تلك المجتمعات، وإفنائه داخل مسنناتِ مؤسساتها التعليمية. فالمجتمعاتُ التي تطحنُ الفردَ في مسنناتِها التي تُشبهُ الطاحونة، تُشَكِّلُ عجيناً على هواها من الطحينِ والخميرةِ التي بين يديها. ستبقى التناقضاتُ بين المؤسسات وبين الإنسان الذي يقاومها قائمةً على الدوام. وسيعملُ الفردُ على احتلال مكانٍ له داخل المجتمع ضمن إطارِ التوازنات المرتكزةِ إلى الوفاق. فلا المجتمعُ لديه القدرةُ المطلقة على صهرِ الفرد، ولا الفردُ لديه إمكانيةُ الانقطاع الكلي عن المجتمع.”

وبهذا المعنى نعرف أنّ علاقة الفرد والمجتمع منذ التاريخ القديم وحتى الآن مترابطة ومتشابكة، وعيش المجتمع على شكل كلان وبجوهرها الكومينالي يظهر لنا كيف تطورت الإنسانية في خضم الصراعات التي كانت تقام عليه، لكنها بقيت تحافظ على أنفاسها الحرة الباحثة عن مخرج، والمقاومة ضد تهميشها، والكومين يبقى روح المجتمع الذي يبقيه متكاتفاً اجتماعيّاً، فالأمراض التي تهاجم روح المجتمع زادت مع ظهور الليبرالية، مثل الانانية التي تهدم كلّ شيء، لأنّه مكان وجود الأنانية وجود التفرد، والتسلّط، وكلّ المساوئ التي تخلق التفرقة والصراعات والنعرات، والأنانية تنخر في جسم المجتمع ولا تجعلها تتكاتف، فالفرد الأناني متوحش، وكما يصفها القائد عبدالله أوجلان : “من خلالِ هذه الانتقادات، لن يكون صعباً تلَمُّسُ تقييمِ الفرديةِ كظاهرةٍ نَهّاشةٍ تشبهُ الفأرَ من حيث قَضمِ المجتمع. إذ ليس عسيراً تشخيصُ الليبرالية الرأسمالية باعتبارها في حقيقةِ الأمرِ فنَّ قَرضِ المجتمع الإنسانيّ، أكثر من كونِها تتخذُ من حرية الفرد أساساً لها.”

هناك كثير من الغلط واللغط في تعريف المجتمع والمجتمعية، وخاصة أنّ الحداثة الرأسمالية لن تعطيها التعاريف الحقيقيّة، ومنها يجب معرفة أنّه كلما ابتعدنا عن التعاريف المفبركة على المجتمعية والكومين، سنعرف أنّه لأجل الرجوع إلى حضن الطبيعة والاندماج مع الطبيعة والإنسانية، فعليك أوّلاً إنهاء المرض الذي تنشره الحداثة الرأسمالية، ويجعلك تبتعد عن حقيقتك المجتمعية، ومراجعة كلّ ما تعلمته في مدارسها وجامعاته وحتى أن تتقيّأ تعاليمها المتعاظمة في العظمة، وعلينا أن ندرك أنّ كل الاختراعات العلمية أو الفلسفية المادية منها أو المعنوية هي من نتاجات الإنسانية، والذي يستولي على هذه النتاجات ويستعملها ويحوّلها إلى قوة تضرب المجتمعية، جعلت الكوكب الذي نعيش عليه يستعر، ويتّجه إلى إفناء نفسه بنفسه، وعليه يجب عدم تصغير مسألة الفرد الذي ابتعد عن حقيقته المجتمعية والكومينالية، لأنه بابتعاده عن حقيقته المجتمعية يبتعد عن نفسه، وعن الطبيعة، وعن الكونية التي في داخله، ويبتعد عن الحرية، فالأنانية تقتل الحرية وتنهيها، وبالتالي تقتل المجتمعية وتدمّر روحها الكومينالي، ولأجل ذلك يجب التعمق في المسألة، وعلينا إيجاد الحلول الأنسب للعودة إلى طريق الصواب في الحياة المجتمعية، والقائد عبد الله أوجلان يوضح ذلك بهذا الشكل:

  ” قيامُ ليبراليةِ الحداثةِ الرأسماليةِ بإنشاءِ الفردِ والفرديةِ وتصييرِهما وحشاً مُغالى فيه بحيث لا تَسَعُهما السمواتُ ولا الأرض، وذلك بالتأسيسِ على أرضيةٍ غيرِ اجتماعية. فالفرديةُ بحالتِها الراهنةِ ليست مستحيلةَ الاستمرارِ فحسب، بل ولا يُطاقُ عيشُها أيضاً. إذ لَم يَعُد المجتمعُ ولا كوكبُنا قادرَين على تَحَمُّلِ الحياةِ الفرديةِ المنفتحةِ أمامَ شتى أشكالِ الشذوذِ بما لا يُشاهَدُ في أيِّ نوعٍ آخَر من الكائناتِ الحية. لقد بُلِغَ بهذا النمطِ الفرديِّ حالةَ شذوذٍ لدرجةٍ لا يَكلُّ فيها ولا يَملُّ من قتلِ الإنسانِ وممارسةِ الجنسِ والرياضةِ والفنّ، ومن تأمينِ الربحِ وممارسةِ التعذيبِ على مدارِ الساعة. واضحٌ بما لا تَشُوبُه شائبةٌ أنّ نهايةَ هذه الفرديةِ هي أمراضٌ من نوعِ السرطانِ والأيدز. علماً أنها تُوَّلِدُّها بسرعةٍ بارزة. لذا، فالأيامُ المسماةُ بالمحشر، والتي نَبَّأَ بها الأنبياءُ في غابرِ الأزمان، إنما تُعَبِّرُ عن مرحلةِ الفرديةِ هذه.

إذن، والحالُ هذه، فإنشاءُ علمِ الاجتماعِ المتمحورِ حول تعريفِ الحياةِ الاجتماعيةِ كمهمَّةٍ أولى، وتوحيدُها مع سدِّ الطريقِ أمامَ الحياةِ الفرديةِ والنظامِ الكامنِ وراءَها كمَهَمَّةٍ ثانية؛ إنما هو شرطٌ لا ملاذ منه للخلاص، وضرورةٌ من ضروراتِ احترامِ وتقديرِ الحياة.”

فعلوم الاجتماع التي تعرف المجتمع، ولا تقترب من النظام الرأسمالي والليبرالي، الذي ينهش في المجتمعية بإظهار الشخصية المتأزّمة في عصر التكنولوجيا، وذاك الشخص يركض في دوّامة من اللامعنى واللاانتماء واللاشخصية، فتعريف علوم الاجتماع مرتبط بواقع متأزّم من نظرة أنانية لأغلب المواضيع، لأنّها أيضاً مصابة بمرض الأنا في تشخيص المواضيع، وهذا يعود الى الفلسفة الوضعية في العلوم بشكل عام، وعلم الاجتماع أمّ العلوم، وكلّما ابتعدت علوم الاجتماع عن التشخيص الفرداني للمواضيع، واقترب من روح الفرد والطبيعة اقتربنا من إعطاء تعاريف أفضل للمجتمع والفرد. 

ولكن ما نعيشه في هذه العصر، ولم يكن الكومين والكلان موجودين، وكانت الفروق والنزعات قديمة جداً، لكن علينا أن نعرف أنّ المجتمعية ليست كما يصوّرها لنا هذا العصر، وخاصة من قبل الرأسمالية التي تنهش من المجتمعية، وتحوّل كلّ شيء إلى فاقد للمعنى، وتقضي على معنى الحياة، ومعنى العيش في روح المجتمعية، وسلاح الرأسمالية الليبرالية يستعملها بكل إتقان، ومنه حوّلت اخضرار الأرض إلى صحارى، ورمى الأسباب على الطبيعة، وكان لا دخل لها، فمعنى العيش في كوكب خالٍ من الصراعات التي خلقتها الرأسمالية علينا الابتعاد بقدر المستطاع عن الليبرالية، ومنها الابتعاد عن الفرد الأناني، والعودة إلى حقيقة المجتمع، إذ كانت طبيعة الفرد فيه ذات قيمة، معنى، وبنفس الوقت كان المجتمع بالنسبة إلى الفرد ذات معنى وبعد روحي، فحبّ المجتمع هو حبّ الطبيعة، وحب الكون والاندماج في روح المجتمع، وهو الكومين الذي يعطي المجتمع طريق العيش في اندماجية بين الفرد والمجتمع، والمصاعب التي تزداد كما أسلفنا الذكر على المجتمعية؛ هو قيام الفرد بفرض نفسه على المجتمعية، والابتعاد عنها، وكان الابتعاد عن المجتمع هو الاتجاه إلى الحرية وهذا يهدم البنى الأساسية في المجتمع.

ومنه يجب الاتجاه إلى إعطاء تعاريف أوضح على ما يعيشه الفرد الذي ينزوي على نفسه ويغدو غريباً على مجتمعيته، ولكي نتّجه الى الحلول المناسبة لهكذا وضع، علينا أن ننبش الماضي، ونبحث عن الحقيقة التي حافظت على وجود البشرية عبر تاريخها الطويل، وخاصية الإنسان المجتمعية، وحقيقة إحياء الفرد نفسه في وحدة الفكر والقول والعمل، وكلّ المعتقدات والفلسفات التي أظهرت هذا التكامل في الإنسان، أو الفرد الذي يصل الى حقيقته، ضمن التكامل الفكري والفلسفي والعملي في المجتمع، والحل في هذا العصر أظهره القائد عبد الله أوجلان في مرافعاته، هو الاتجاه إلى بناء الفرد ضمن الكومين، والكومين هو أساس المجتمعية، والفرد المجتمعي يجد موطن قدم له في أرض مبنية على الكومين، وأسماها القائد آبو بالأمّة الديمقراطية: 

” الأمةُ الديمقراطيةُ هي عصرانيةٌ بديلةٌ يتحققُ فيها الفردُ المواطنُ الحر. وهي المجتمعُ البديلُ إزاء التهميشِ المجتمعيّ. وهي المجتمعُ الديمقراطيُّ مقابلَ مجتمعِ (أو لامجتمعِ) السلطةِ والدولة. وهي المجتمعُ الذي يتوصلُ إلى النشوءِ الحرِّ والمتساوي ضد الاستهلاكِ الاجتماعيّ، الذي تُمارَسُ فيه وتُرَسَّخُ شتى أشكالِ العبوديةِ واللامساواة. بإمكانِنا بلوغُ هذه التعاريفِ بكلِّ يُسر، لدى تقييمِنا الأمةَ الديمقراطيةَ على صعيدِ الحياةِ الاجتماعية. فكينونةُ مجتمعِ الأمةِ الديمقراطية هي أولُ شروطِ العيشِ كمجتمعٍ سليم. فهي تُعِيدُ المجتمعَ الذي استهلكَته الدولةُ القوميةُ إلى أصلِه. والمجتمعُ السليمُ يُنشِئُ فرداً سليماً. والفردُ الذي ينعَمُ بالصحةِ الذهنيةِ والروحية، تزدادُ مناعتُه تجاه الأمراضِ الجسديةِ التي تغدو قليلةً حينها. ونظراً لتَطَلُّعِ مفهومِ التعليمِ والتدريبِ في الأمةِ الديمقراطيةِ إلى المجتمعيةِ والفردِ المواطنِ الحرّ، فإنه يُعادُ تحقيقُ تطورِ الفردِ بالمجتمعِ وتحقيقُ تطورِ المجتمعِ بالفردِ دياليكتيكياً، ويُعادُ إبرازُ دورِ العلومِ الذي يفضي إلى النعيمِ بالمجتمعيةِ والحريةِ والمساواة. وهكذا، فالأمةُ الديمقراطيةُ هي الروحُ القوميةُ في المجتمعِ الذي اكتسبَ الوعيَ الصحيحَ بحقِّ نشوئِه.”

الخلاصة ممّا ذكرناه بأنّ الفرد المنقطع عن المجتمع غير موجود، وإذا كان له وجود فهو يعيش على ذاكرة مجتمعيتها المنهارة، أو التي هدمت من قبل الأنظمة، ولا يوجد مجتمع دون فرد حر، فالفرد الحر هو حقيقة المجتمعية، وهذا الفرد يظهر شكله في نظام الأمّة الديمقراطية بشكل واضح، لأنّ نظام الأمّة الديمقراطية يعتمد على روح الفرد الجياشة إلى الحياة التشاركية، في نظام الأمّة الديمقراطية، فالفرد يبحث عن حقيقته المجتمعية ويندمج مع حقيقة المجتمعية، ويعرف كيف يعيش مع الآخر في توافق نظري، عملي، معرفي، فني، فلسفي، ويعرف القائد كيف يقترب فرد الحضارة الديمقراطية من الحياة: ” ينبغي على فردِ الحضارةِ الديمقراطيةِ أنْ يَحيا ضمن تكامُلِ ووحدةِ كفاحِ الفكرِ– القول– العملِ الدؤوبِ إزاءَ فُرسانِ المَحشرِ الثلاثِ للحداثةِ الرأسمالية (الرأسمالية، الصناعوية، والدولتية القومية). وبالمِثل، عليه خوض كفاحِ حياةِ الفكرِ–القول– العملِ المتواصلِ مع مَلائكةِ الخلاصِ للعصرانيةِ الديمقراطية (المجتمع الاقتصاديّ، المجتمع الأيكولوجيّ، المجتمع الديمقراطيّ). وما لَم يَفعلْ ذلك، فلا يُمكِنُه تحقيق كينونتِه أو إنشاء ذاتِه كقائدٍ للحقيقة. كما لَن يَكُونَ القائدَ (المُرشِدَ) المُنجِزَ للعدالةِ والحريةِ وعالَمِ الديمقراطية، ما لَم يُواظِبْ على وحدةِ وتكامُلِ الكفاحِ والحياةِ داخل مُكَوِّناتِ الكوموناتِ الاجتماعيةِ ومُكَوِّناتِ الأكاديمياتِ بالقدرِ عينِه. لن تَكُونَ انتقاداتُ الكتبِ المقدسةِ والإلهاتِ الحكيماتِ ذات قيمة، إلا في حالِ توجيهِها رداً على تَحويلِها إلى أداةٍ بِيَدِ المدنيةِ والحداثةِ المهيمنتَين. وما يتبقى منها، إنما هو ميراثُ حياتِنا الذي لَم يتقادم، وهويتُنا المجتمعية. ومُناضِلُ الحقيقةِ في العصرِ الديمقراطيّ، هو ذاك الذي يَنقشُ هذه الهويةَ ويرسخُها في شخصيتِه، ويَحيا إرثَ الحياةِ ذاك ويُحييه بِحُرّية. “